د. محمد شدادد. محمد شداد

الشهيد الحمادي بين الهوى والوطن

خير النفوس هي تلك النفوس الطيبة التي تجود بنفسها وترى سعادتها في إسعاد غيرها تلك حكاية العميد الشهيد عدنان الحمادي ضابطا وقائدا عسكريا نادرا نذر نفسه لليمن أرضا وشعبا على خلاف الكثيرين من رجالات العسكرية اليمنية الذين نهلوا من مدرسة الفساد التي أسسها النظام القديم وجعل أولويات القادة استقطاع رواتب المقاتلين والتفنن في إذلالهم وأكل مخصصاتهم.


         كرّس الشهيد الحمادي تلك السياسة طوال مسيرته العسكرية المشهودة وعانى ما عاناه من ذلك الفساد المقنن الذي واجهه بكل صدق وإيمان، خطوط حمراء رُسمت له ولأمثاله من القادة في تولي القيادة لا يتجاوزوها حتى لا تتفجر فيهم الروح الوطنية يوماً ودعا داعي النضال الوطني وحتى لا ينحازوا إلى صفوف الشعب وطبقاته المسحوقة الذين يأخذون أماكنهم عادة كأوائل في مقدمة صفوف الحركات الوطنية سعياً للحرية والكرامة والانعتاق.


        وبخلاف المنتفعين من النظم المتخلفة وجيوشها البشرية الغاشمة، رحل الحمادي نقيا من مخلفات الظلم والفساد، مثقلاً بحب الناس ودعواتهم له بالرحمة والغفران،  كما سبقه في الشهادة رفيقه ونائبه العقيد محمد عبدالله العوني في نيل شرف اللحاق بموكب الخالدين وهو لا يملك شيئاً من حطام الدنيا سوى بيتاً شعبياً بناه له أبوه في مسقط رأسه في المخلاف-بني عون.


         هؤلاء هم وأمثالهم الذين يفتقدهم الناس كافتقاد البدور في غسق الليالي حالكة الظلام، منارات النزاهة والانتماء الوطني والتجرد من كل شيء عدا حب الوطن وقاطنيه المساكين، سكنهم الوطن بأشجاره وأحجار وظله ونداه كما سكنوه ضوءً سرمديا حتى بات جزءاً أصيلاً من كينونتهم ونهجهم سراً وعلانية.


         قد يتربع الذئاب المنابر ويدبجون الخطب العصماء بخلاف ما يؤمنون ويمارسون تدليساً وضحكاً على عقول العامة، يشرون لهم الوهم ويبيعون لأنفسهم نعيم الدنيا الذي شرب جهد الشعب وارتوى من عرق الكادحين. وقد تكبر ألسنة الذباب فتقول القصائد مدحاً وتزلُفاً بغية عطاء الفاسدين فتصنع منهم طغاة وتعيش هي في وحل المهانة وذل المسألة والانحناء حتى النفس الأخير.


          ولا يغسل ذلك الذل والهون إلا من اصطفاهم الله خيرةً منه لإنقاذ أرواحهم ويعيشوا أحراراً  كما ولدوا وخلقهم الله دون هيمنة عرق يدعي الاصطفاء أو سلالة تدلِّس على الله وتدعي زوراً أن لديها حقاً إلهياً في التسلط على رقاب العباد، وامتصاص دماء وعرق البائسين، عملاً وفلاحةً وزرع، يعيشون هم التميز الطبقي والرفاه الاجتماعي ويعيش الغير ذل الحياة وجحيم أساها.


         نالت الأوطان قيادات أنقذتها ونال اليمن رصاصات الغدر من قريب مُلِّكَ أمرهم ومن بعيد تآمر عليهم وأفرغها من قياداتها إمعانا في إحكام طوق التبعية والانقياد لمآربهم التي تجاوزت مبادئ القوانين الانسانية وضميرها الحي في العصر الحديث، وقد ينجحون حيناً بعد أن كُتبت على اليمنيين الأقدار غير أنها لن تستمر إلى أبد الآبدين لأن اليمن ليست خديج الأمس أو نبتة برزت على قارعة الطريق، وكما أنجبت الشهيد عدنان الحمادي وأمثاله ستنجب الآلاف منه بحملٍ سهلٍ وولادة خفيفة الطلق دون معاناة كما أنجبت قادة الفتوحات الاسلامية وملوك التاريخ عبر العصور.


ليس أمامنا من قول في هذا الرحيل الموجع سوى الترحم على شهيد اليمن الكبير الذي مثّل النقاء الحقيقي للعسكرية اليمنية وكرسها وفاءً وولاءً وانتماءً للوطن المجيد وشعبه، ستُغنيه الأجيال اليمنية القادمة رمزاً وطنياً وقائداً شجاعاً نقي السريرة ومقاتل قوي الشكيمة، مثّل إخلاصه ووفاءه لليمن وثورته السبتمبرية ومفخرة سوف تتناقلها الأجيال جيلا إثر جيل راسمةً اسمه في سطور الذاكرة مخلدةً روحه نقشاً في سجل الخالدين.

شبكة صوت الحرية -

منذ 7 أشهر

-

286 مشاهدة

مقالات ذات صلة

أهم التصريحات المزيد